من هو المدقّق اللّغويّ؟ وما هي مهامه؟

التدقيق اللّغويّ في حقيقته أمرٌ شاقٌ على متقنه. فهو ليس مجرد مدقّقٍ إملائيّ وحسب، يرصد الأخطاء اللّغويّة ويصححها، بل إن وظيفته تتعدى ذلك بكثير، حيث إنه يغوص متعمقاً فى أعماق النص ودهاليزه، باحثاً متفحصًا، مستقصيًا عن الأخطاء والنقائص التى تلحق بالنص ويقوم بتصحيحها. ثم يشرع بعد ذلك في وضع بصمته الفنًية على النص. وهو الجانب الأصعب بلا شك في عمل المدقّق اللّغويّ.

وعلى هذا فيمكن أن نقسم عمل المدقّق اللّغويّ إلى قسمين مهمّين وهما :-

أولاً:- تصحيح الأخطاء اللّغوية الظاهرة .

ثانيًا:- إضافة الصبغة الفنّية المحسّنة .

وسنبدأ سريعًا فى استعراض بعض عناصر تلك المهمتين:-

الأخطاء اللّغوية الظاهرة

أولًا:- أخطاء “حرفية شكلية” كأخطاءَ مطبعيةٍ أو كتابيةٍ. كأن يقول {هذا القائد الفظ } وهو يقصد  (الفذ) ، أو يقول {جسد السويس}. وهو يقصد  (جسر) .

ثانيًا:- أخطاء “نحوية” كأن يرفع مثلًا (خبر كان) فى {كان الجو (باردٌ) } والصواب (باردًا)  .

ثالثًا:- أخطاء “صرفية معجمية” كأن يثنّي {أولى وأخرى}  بـ {أولتان وأخرتان}، والصواب {أوليان وأخريان}.

رابعًا:- مراعاة “علامات الترقيم” متى توضع؟ وأين توضع؟ متى نضع النقطة ومتى الفصلة؟ وكيف نبدأ الفقرة وكيف ننهيها؟ وكيف نربط الفقرة بالفقرة؟ … إلخ.

– هذه أهم الأخطاء اللّغويّة التى يقع فيها أيّ كاتبٍ مهما كانت حِرفيّته ومِهنيّته. فقد تحدث هذه الأخطاء سهوًا أو بدون قصد. ولكن تجاهلها وعدم الاكتراث بوجودها ينقص من قيمة النص بلا شك.  لذا وجب الاحتراز. وهنا يأتى دور المدقّق اللّغويّ ليكمل ما بدأه، وهنا يأتى إلى الجانب الأصعب والذى نوّهنا عنه سابقًا ألا وهو الجانب الفنّي.

وهذا الجانب قد تكون مهامه كثيرةً ودقيقةً في آن واحد. إذ أنه يركز في هذا الجانب على عدة نقاط منها {الأفكارالعناصرالترتيبالتنسيق..إلخ.}. وهذا توضيح لتلك العناصر:-

أولًا:- تركيب الأفكار، حيث يتوجب عليه إظهار الفكرة الرئيسية للنص في صدر مقاله وفي مقدمة عناصره ثم تأتي بعد ذلك باقي الأفكار والعناصر لتكون شارحةً وموضحةً للفكرة الرئيسة للنص.

ثانيًا:- ترتيب العناصر، يقسم المقال إلى عناصر. وليست بالضرورة أن تكون بارزة أو مرقّمة. وإنما يقصد بذلك الترتييب والتنسيق. وعليه فتكون العناصر:-

محددة المعالم – أي كلّ عنصرٍ له عنوانه لا يتحدث إلا عن جوانبه.

مكملة لبعضها البعض – أي كلّ عنصرٍ متعلقٌ بما قبله وبما سيأتي بعده.

ثالثًا:- تنسيق الفقرات، فهو أجدر وأدرى بذلك من المحرّر، إذ أنه يمتلك من الخبرات ما يؤهله لأن يعاين الفقرات طولاً وقصرًا وترتيبًا، كما ينبغى عليه إيجاد الحيّز الملائم لكلّ فقرة في الصفحة .

رابعًا:- كما أنه لا يخفى على المدقّقِ اللّغويّ أن له من الصلاحيات ما يخوّله أن يعّدل أو يغيّر من النص وكلماته.. بل وبعض فقراته.. حتى إن شاء، وذلك بحسب ما يراه مناسبًا أكثر لتوضيح المعنى وإبرازه. وذلك وِفق خبراته المكتسبة جراء تحليل ومراجعة وتدقيق نصوصٍ سابقةٍ، بهدف تحسين جودة النص، شريطة ألا يُخِل بالمعنى. وهذا ما نراه جليًا مثلاً فى أعمال من يقومون على مسألة (الدوبلاج) للمسلسلات التركية والهندية، ومسلسلات الإنمي بالذات وغيرها… ، فهم يقومون بتحليل السيناريو وتبسيطه وإخراجه للمشاهد أو المتلقي بشكلٍ عام فى أبهى حلةٍ وأبسط شكلٍ ممكن بحيث يتمكن من فهمه واستيعابه أكبر قدرٍ ممكنٍ من المتلقين وبذلك يضمن كلّا من {العمل المقدم ، مقدّمهُ – المدقّق اللّغويّ -} نجاحهما واستمرارهما.

“الخلاصة”

إن عمل المدقّق اللّغويّ باختصارٍ هو إخراج النص الذي يتعامل معه إلى المتلقي خالياً من (الأخطاء اللّغويّة) فى المقام الأول، ومتسمًا بوضوح الألفاظ وسلاستها، ثم منسقًا ومرتبًا فى أفكاره وعناصره، محبوكًا بتراكيب إنشائية أو خبرية لا تخلو من البلاغة والبساطة. ليجعلعها بذلك أنموذجًا نثريًا يشار إليه بالبنان. والله المستعان.

     بقلم

 بلال إسماعيل